الشنقيطي
501
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
وقال بعض العلماء : تقديره ، خافضة بعض الأجرام التي كانت مرتفعة كالنجوم التي تسقط وتتناثر يوم القيامة ، وذلك خفض لها بعد أن كانت مرتفعة ، كما قال تعالى : وَإِذَا الْكَواكِبُ انْتَثَرَتْ وقال تعالى : وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ . رافعة : أي رافعة بعض الأجرام التي كانت منخفضة كالجبال التي ترفع من أماكنها وتسير بين السماء والأرض كما قال تعالى : وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بارِزَةً [ الكهف : 47 ] ، فقوله : وَتَرَى الْأَرْضَ بارِزَةً ، لأنها لم يبق على ظهرها شيء من الجبال ، وقال تعالى : وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ [ النمل : 88 ] . وقد قدمنا أن التحقيق الذي دل عليه القرآن ، أن ذلك يوم القيامة ، وأنها تسير بين السماء والأرض كسير السحاب الذي هو المزن . وقد صرح بأن الجبال تحمل هي والأرض أيضا يوم القيامة . وذلك في قوله تعالى : فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ ( 13 ) وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ [ الحاقة : 13 - 14 ] الآية . وعلى هذا القول ، فالمراد تعظيم شأن يوم القيامة ، وأنه يختل فيه نظام العالم ، وعلى القولين الأولين ، فالمراد الترغيب والترهيب ، ليخاف الناس في الدنيا من أسباب الخفض في الآخرة فيطيعوا اللّه ويرغبوا في أسباب الرفع فيطيعوه أيضا ، وقد قدمنا مرارا أن الصواب في مثل هذا حمل الآية على شمولها للجميع . قوله تعالى : إِذا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا ( 4 ) وَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا ( 5 ) فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا ( 6 ) [ 4 - 6 ] . قد قدمنا أن الأظهر عندنا أن قوله إِذا رُجَّتِ . بدل من قوله إِذا وَقَعَتِ الْواقِعَةُ ( 1 ) ، والرج : التحريك الشديد ، وما دلت عليه هذه الآية من أن الأرض يوم القيامة تحرك تحريكا شديدا جاء موضحا في آيات أخر كقوله تعالى : إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها ( 1 ) [ الزلزلة : 1 ] ، وقد قدمنا الآيات الموضحة لهذا في أول سورة الحج في الكلام على قوله تعالى : إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ ( 1 ) [ الحج : 1 ] وقوله تعالى : وَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا ( 5 ) في معناه لأهل العلم أوجه متقاربة ، لا يكذب بعضها بعضا وكلها حق ، وكلها يشهد له قرآن . وقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك أن الآية الكريمة قد يكون فيها أوجه كلها حق وكلها يشهد له قرآن ، فنذكر جميع الأوجه وأدلتها القرآنية . قال أكثر المفسرين وَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا ( 5 ) أي فتت تفتيتا حتى صارت كالبسيسة ، وهي دقيق ملتوت بسمن ، ومنه قول لص من غطفان أراد أن يخبز دقيقا عنده فخاف أن يعجل عنه ، فأمر صاحبيه أن يلتاه ليأكلوه دقيقا ملتوتا ، وهو البسيسة . لا تخبزا خبزا وبسابسا * ولا تطيلا بمناخ حبسا